الذهبي

76

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

وقال أبو القاسم صاعد بن أَحْمَد : كان ابن حزمٍ أجمع أهل الأندلُس قاطِبة لعلوم الإسلام ، وأوسعهم معرفة مع توسّعه في علم اللِّسان ، ووفور حظّه من البلاغة والشِّعر ، والمعرفة بالسّير والَأخبار . أخبرني ابنه الفضل أنَّهُ اجتمع عنده بخطّ أبيه أبي محمد من تأليفه نحو أربعمائة مُجَلَّد ، تشتمل على قريبٍ من ثمانين ألف ورقة . وقال الحُمَيْدِيّ : كان ابن حَزْم حافِظًا للحديث وفِقْهِهِ ، مُسْتَنْبِطًا للَأحكام من الكِتاب والسُّنَّة ، مُتَفَنِّنًا في علوم جمَّة ، عاملًا بعلمه . وما رأينا مثله فيما اجتمع له مع الذّكاء ، وسُرْعة الحِفْظ ، وكَرَم النَّفس والتَّديُّن . وكان لهُ في الآداب والشِّعر نَفَس واسِع ، وباعٌ طويل . وما رأيت من يقول الشِّعر على البديه أسرع منه . وشِعره كثير جمعته على حروف المُعْجَم . وقال أبو القاسم صاعد : كان أبوه أبو عمر من وزراء المنصور محمد بن أبي عامر ، مدبِّر دولة المؤيّد باللَّه ابن المُستنصِر ، ثم وزر للمُظفّر بن المنصور . ووزر أبو محمد للمستظهر باللَّه عبد الرّحمن بن هشام ، ثمّ نبذ هذه الطّريقة ، وأقبل على العلوم الشَّرعيّة ، وعُني بعلم المنطق ، وبرع فيه ، ثمّ أعرض عنه وأقبل على علوم الْإِسلام حتّى نال من ذلك ما لم ينله أحد بالَأندلس قبله . وقد حطّ أبو بكر ابن العربيّ في كتاب " القواصم والعواصم " على الظّاهريّة ، فقال : هي أُمَّة سخيفة ، تسوَّرَت على مرتبةٍ ليست لها ، وتكلَّمَت بكلامٍ لم تفهمه تلقَّفوه من إخوانهم الخوارج حين حكّم عليٌّ يوم صفّين فقالت : لا حكم إلا لله . وكان أول بدعة لقيت في رحلتي القول بالباطن ، فلمّا عُدت وَجَدتُ القَوُل بالظاهر قد ملَأ به المغرب سخيفٌ كان من بادية أشبيليّة يُعرف بابن حزم ، نشأ وتعلَّق بمذهب الشّافعيّ ، ثم انتسب إلى داود ، ثم خلع الكُل ، واستقل بنفسه وزعم أنه إمام الأمة ، يضع ويرفع ، ويحكُم ويُشرّع ، ينسب إلى دين اللَّه ما ليس فيه ، ويقول عن العلماء ما لم يقولوا تنفيرًا للقلوب عنهم ، وخرج عن طريق المشبَّهة في ذات اللَّه وصفاته ، فجاء فيه بطَوامٍّ ، واتَّفق كونه بين قومٍ لَا بصر لهم إِلَّا بالمسائل ، فإذا طالبهم بالدّليل كاعوا ، فتضاحك مع أصحابه منهم ، وعضَّدتهُ الرياسة بما كان عنده من أدب ، وبشُبَهٍ كان يوردها